الشيخ محمد رشيد رضا
123
الوحي المحمدي
العبد إلى غير اللّه تعالى فيما يشعر بالحاجة إليه من كشف ضرّ وجلب نفع من غير طريق الأسباب . فقد ذكر الدعاء في القرآن أكثر من سبعين مرة . بل زهاء سبعين بعد سبعين مرة ، لأنه روح العبادة ومخها . بل هو العبادة التي هي دين الفطرة كلّه ، وما عداه من العبادات فوضعى تشريعي من تعليم الوحي فهو يغذيها وينقيها من شوائب الآراء ، وينفى عنها تقاليد الأهواء . بعض آيات الدعاء أمر بدعائه تعالى وحده ، وبعضها نهى عن دعاء غيره مطلقا ، ومنها حجج على بطلان الشرك أو على إثبات التوحيد ، ومنها أمثال تصور كل منهما بالصور اللائقة المؤثرة ، ومنها إخبار بأن دعاء غيره لا ينفع ولا يستجاب ، وأن كل من يدعى من دونه تعالى فهو عبد له ، وأن أفضلهم وخيارهم كالملائكة والأنبياء يدعونه هو ويبتغون الوسيلة إليه ، ويرجون رحمته ويخافون عذابه ، وأنهم يوم القيامة يكفرون بشرك الذين يدعونهم من دون اللّه أو مع اللّه ويتبرءون منهم ، وأمثال ذلك مما يطول شرحه ، بل يضيق المقام عن تلخيصه . وثم أنواع أخرى من آيات الإيمان باللّه تعالى تغذى التوحيد ، وتصعد بأهله درجات متفاوتة في السّمو بمعرفته تعالى والتأله والتوله في حبه ، من التنزيه والتقديس والتسبيح له وذكر أسمائه الحسنى ممزوجة ببيان الأحكام الشرعية المختلفة حتى أحكام الطهارة والنساء والإرث والأموال ، وبحكمه في الخلق والتدبير لأمور العالم ، وسننه في طباع البشر وفي شؤونهم الاجتماعية ، ووضع كل اسم منها في الموضع المناسب له من علم وحكمة وقدرة ومشيئة وحلم وعفو ومغفرة ورحمة وحب ورضا وما يقابل ذلك ، ومن الأمر بالتوكل عليه والخوف منه لإجلاله أو لعدله ، والرجاء في رحمته وفضله ؛ وناهيك بما سرد منها سردا لجذب الأرواح العالية إلى كماله المطلق وفنائها في شهوده عن شهودها بله أهواءها وشهواتها كما تراه في فاتحة سورة الحديد : سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 1 ) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 2 ) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الحديد : 1 - 3 ] إلخ .
--> ناحية سنن اللّه تعالى في أسباب الحر والبرد والمطر والثلوج ، وكون وجود القبور أو أهلها لا شأن له في ذلك . وحدث في هذا الشتاء زلزال عظيم في الهند هدم به بعض البلاد . ما عدا المعابد الوثنية في بعضها فاعتقد أهلها أن سبب بقائها عناية اللّه بحفظها لرضاه عن عبادتهم فيها . وإنما سببه قوة بنائها فإن أكثر معابد الأمم قوية البناء تمر عليها القرون وتفنى سائر الأبنية وهي باقية .